السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
63
مفاتيح الأصول
من المفروض ليس ظنّا مخصوصا قام الدليل القاطع على حجيّته فالأصل عدم حجيّته بخلاف الظنّ المستفاد من خبر اللَّغوي فإنّه ظنّ مخصوص قام الدليل القاطع على حجيّته بالخصوص ولهذا اعتذر عن العلامة لمصيره على عدم إفادة الباء الدّاخلة على الفعل المتعدّي بنفسه التّبعيض مع دلالة الخبر الصّحيح عليه وهو ضعيف لما تقرّر عندنا من أصالة حجيّة كلّ ظنّ لم يقم دليل قاطع على عدم حجيّته مضافا إلى فحوى ما دلّ على حجيّة خبر اللَّغوي وإلى ظهور عدم القائل بالفصل بين الأمرين ممّن تقدّم عليه وإلى عموم مفهوم آية النبأ إن قلنا بدلالتها على حجيّة خبر الواحد وعلى المختار إذا تعارض المفروض مع خبر الأصمعي فلا يبعد ترجيح الأوّل لأنّه مسند إلى المعصوم عليه السلام الَّذي لا يجوز عليه الخطاء بخلاف الثّاني فإنّه غالبا محصّل من الاستقراء الَّذي يجوز فيه الخطاء فكان الظنّ المستفاد من الأوّل أقوى فهو بالتّرجيح أحرى وينبغي التّنبيه على أمرين الأوّل إذا ورد عن المعصوم عليه السلام ما له محملان أحدهما لغوي والآخر شرعيّ كما في قوله عليه السلام الطواف بالبيت صلاة والاثنان وما فوقهما جماعة لاحتمال أن يكون المراد أن الطَّواف والاثنين يسمّيان صلاة وجماعة حقيقة فيكون المقصود بيان الوضع ولاحتمال أن يكون المراد أنّ الطَّواف والاثنين بمنزلة الصّلاة والجماعة في الشّرائط والفضيلة فيكون المقصود بيان الحكم الشّرعي فهل اللازم حينئذ الحمل على أنّ المراد بيان الحكم الشّرعي كما عليه العلامة والبهائي والحاجبي والعضدي والأكثر فيما حكاه العلامة عنهم أو على أنّ المراد بيان الحكم اللَّغوي والوضع كما هو ظاهر اللَّفظ ولكن لم أجد قائلا به أو الحكم بالإجمال كما عن الغزالي وجماعة فيه إشكال ولكن الظاهر ما عليه الأكثر لأنّ عرف المعصوم عليه السلام ومنصبه أن يعرف الأحكام الشّرعيّة لا الموضوعات اللَّغويّة على أنّ الحمل على بيان الوضع قد يستلزم النّقل وهو ما إذا كان الخبر مقتضيا لنقل اللَّفظ عن معناه اللَّغوي ومعلوم أنّ الحمل على بيان الحكم الشّرعي يلزم التجوّز وهو أولى وأيضا قد يستلزم التّأكيد وهو ما إذا كان الخبر متضمّنا لما هو المعلوم من اللَّغة ومعلوم أنّ الحمل على بيان الحكم الشّرعي تأسيس فكان أولى وأيضا قد يستلزم المخالفة لعرف المتشرّعة في وضع ذلك ويبعد أن يثبت الوضع في خصوص زمان الشّارع دون المتشرعة فتأمل وأمّا احتجاج الغزالي بأنّ اللَّفظ يصلح للحمل على الأمرين ولا مرجّح في البين إذ لم يقم دليل على أنّ المعصوم صلوات الله عليه لا يبيّن وضع اللَّفظ فضعيف بما قدّمناه الثّاني قال السيّد الأستاذ رحمه الله ظاهر الحكم على شيء يقتضي كون المحكوم عليه من أفراد المحكوم به حقيقة حتّى يصرف عن الحكم الظاهر صارف يصرفه عنه ولذا لم يصحّ قولنا زيد أسد والمنية سبع إلَّا بالإرجاع إلى التّشبيه البليغ وكان معناه زيد كالأسد والمنية كالسّبع وبالجملة فأهل اللَّغة والعرف والمحاورة لا يرتابون في التفرقة بين مقام الحمل ومقام التّشبيه ونظائره فمقام الحمل هو ما كان الموضوع فيه من جزئيّات المحمول ومن أفراده الحقيقيّة ولو حمل الماهيّة على بعض أفرادها المجازيّة كان استعمالا للماهيّة الموضوعة لإفادة الحمل في التّشبيه لإفادة أنّه قد بلغ من المشابهة بالأفراد الحقيقيّة حتّى كأنّه فرد منها حقيقة ولذا حملت عليه حمل المواطئة وهذا هو المسمّى بالتّشبيه البليغ ومن البيّن أنّه لو صحّ الحمل على الأفراد المشبهة للأفراد الحقيقة حقيقة من غير تجوّز ولا ارتكاب لخلاف الظاهر من اللَّغة لزم أن لا نفرق بين قولنا زيد إنسان وزيد أسد وأن لا يكون قولنا زيد أسد تشبيها بليغا وقد صرّحوا بذلك وفرّقوا بين الأمرين فإذا حكم الشّارع بحكم على شيء وأمكن فرديّة الموضوع للمحمول كما إذا كان مفهوم المحمول من العبادات المتوقّفة على بيان الشّارع ولم يعلم البيان من قوله على وجه التّحديد فالواجب فيه البناء على الظاهر من الحمل لما عرفت وهو كون الموضوع من أفراد المحمول حقيقة وفي نفس الأمر عملا بالظاهر من دون معارض وذلك كقوله الارتماس في الماء دفعة غسل والإمساك مع الأكل سهوا صوم وإيماء الأخرس وإشارته صلاة إلى غير ذلك وإن لم يمكن الحمل حقيقة فهناك صور أحدها أن يكون المحمول من الأوصاف الغالبة للموضوع لا ينفكّ عنه في الغالب وإن انفكّ عنه أحيانا وذلك كقوله الحيض دم أسود حارّ والمني هو الماء المنزل بشهوة ودفق فإنّ الحيض ربّما كان أصفر باردا والمني ربما كان لم يكن بشهوة ودفق مع أنّ ذلك حيض ومني قطعا وحينئذ فلا يمكن إبقاء الحمل على ظاهره وهو أن كلّ حيض فهو دم أسود حارّ وكلّ منيّ فهو ماء خارج بشهوة ودفق على الإيجاب الكلَّي وإلَّا فسد الحمل وكذب الحكم بل المراد أنّ الحيض أسود في الخارج والمني خارج بشهوة ودفق في الغالب لكن ليس المراد منه بيان نفس الغلبة وثبوت الوصف في أكثر أفراد الموضوع فإنّ ذلك بمجرّده لا يتعلَّق به غرض شرعيّ ولا فائدة تثمر في الأحكام الشّرعيّة ومقام الشّارع في بيان الأحكام الشّرعيّة يأبى عن التكلَّم بمثل ذلك بل المراد جعله ظابطا يرجع إليه في مقام الاشتباه والشّك في ثبوت الوصف العنواني للموضوع فيستعلم بوجود الأوصاف الغالبة فيه وانتفائها والمقصود بيان الأمارات الظنيّة والعلامات الغالبة ليبتني عليها الحكم الشّرعي الظاهري سواء اتّفقت الإصابة بأن كانت من أفراد الموضوع أو اتّفق التخلَّف بأن لم